كيف تبني مجتمع يعزز التحول بأسلوب جيمس كلير - عدد #21
"أنت لا ترتقي إلى مستوى أهدافك في التحول، بل تسقط إلى مستوى عاداتك وأنظمتك اليومية"
-مايكل أبراشوف
في أواخر التسعينيات، استلم الضابط الأمريكي مايكل أبراشوف قيادة المدمرة البحرية (USS Benfold). السفينة وقتها كانت توصف بأنها "الأسوأ على الإطلاق" في الأسطول الأمريكي؛ معنويات في الحضيض، استقالات مستمرة، وأداء تشغيلي تعبان لدرجة أن الكل كان يقول له: "الله يعينك، استلمت أسوأ مهمة ممكنة!".
في أول يوم له جا وقت الغداء. العرف القديم في السفينة من سنين إن الضباط وأصحاب الرتب العالية ينقزون طابور الأكل، ياخذون صحونهم ويروحون ياكلون في غرفتهم الخاصة المعزولة، بينما صغار البحارة يصفون في طابور طويل وممل.
القائد الجديد مشى لصالة الأكل، وبدال ما يروح قدام أو ياخذ استثناء، راح مباشرة لـ آخر الطابور وصف مع البحارة العاديين.
الكل انصدم، وجاه واحد من المسؤولين وهو متوتر ومحرج: "سيدي القائد، شكلك ملخبط.. تفضل انقز الطابور وخذ غداك على طول!".
رفض القائد تماماً، وأصر يوقف في الطابور، وياكل نفس أكلهم، ويجلس معهم على نفس الطاولة ويسمع وش التحديات اللي يواجهونها كل يوم في الشغل.
هذا الموقف البسيط — اللي ما فيه أي كلام منمق ولا خطابات رنانة — كان الشرارة اللي غيرت نفسيات الطاقم بالكامل، وخلى نفس السفينة هذي تتحول لاحقاً إلى أفضل وأكفأ سفينة في البحرية الأمريكية كلها.
ليه تفشل 70% من مبادرات التحول؟
في بيئة الأعمال والمشاريع، لما نجي نطلق نظام جديد (CRM، ERP، أو منصات أتمتة العمليات والـ AI)، نطيح بنفس الفخ: الموظفين يقاومون ويفضلون يبقون على الإكسل، الواتساب، والدفاتر القديمة.
والمشكلة هنا مو في ضعف التقنية ولا في كفاءة النظام، المشكلة إننا نتعامل مع التحول كأنه "مشروع تقني مفروض من فوق"، ونتجاهل إنه في الأساس "تحول في عادات العمل اليومية المشتركة".
طيب، كيف نبني بيئة وفريق يقود هذا التغيير بسلاسة؟ نقتبس هنا أهم الركائز من أسلوب الكاتب جيمس كلير في كتاب Atomic Habits ونربطه مع واقع إدارة العمليات:
1. تجسيد القدوة: الناس تقلد "أصحاب النفوذ"
يوضح جيمس كلير إننا كبشر نميل بطبعنا لتقليد ثلاث فئات: المقربين منا، الأكثرية، وأصحاب المكانة والقرار (The Powerful).
لو المدير التنفيذي أو رئيس القسم يطلب من الموظفين يرفعون التذاكر والطلبات عبر المنصة الرقمية، وهو نفسه يرسل طلباته في الواتساب أو الإيميل في أوقات متفرقة، مستحيل أحد يلتزم.
- على أرض الواقع: التغيير يبدأ لما أصحاب القرار يتخلون عن "امتيازات الأنا والمكانة"، ويكونون هم أول ناس يستخدمون النظام الجديد ويتحملون احتكاك البدايات قدام الفريق.
2. ابنِ "قبيلة التحول" وخلي السلوك الجديد هو العرف الطبيعي
يقول جيمس كلير: «من أكثر الطرق فاعلية لبناء عادة مستدامة، إنك تنضم لبيئة يكون فيها سلوكك المرغوب هو السلوك الطبيعي السائد».
- على أرض الواقع: لا تحاول تدريب الشركة كاملة دفعة واحدة وتسلق الإجراءات. ابدأ بـ "سفراء التحول" (Champions)؛ فريق مصغر من 5 إلى 10 موظفين شغوفين ومؤثرين غير رسميين في أقسامهم.
- لما الموظف المتردد يشوف زميله اللي جنبه في نفس المكتب يخلص شغله بالنظام الجديد ومرتاح، بيتحول التبني من "أمر إداري ثقيل" إلى "معيار اجتماعي الكل يبغى يقلده".
3. صياغة "العقد الاجتماعي" وميثاق الفريق (The Social Contract)
في الفصل السابع عشر - كيف شريك في التغيير يغير كل شي، يتكلم كلير عن مفهوم عقد العادة؛ وهو التزام مكتوب ومعلن يوضح التوقعات بدقة وتكلفة عدم الالتزام بها.
الأنظمة الجديدة تضيع في الشركات لأن السلوك القديم المكسور ما عليه أي تكلفة فورية.
- على أرض الواقع: اتفق مع فريقك على ميثاق عمل صريح ومعلن:
- "أي طلب ما يدخل عبر المسار الرقمي المعتمد، ما راح يجدول في مهام الأسبوع".
- لما تنشر هذا العقد وتراجعه أسبوعياً، كلفة التراجع تصير اجتماعية ومرئية للجميع.
4. تفعيل "شريك المساءلة" ونظام التوأمة (Peer Pairing)
لما الموظف يواجه صعوبة في أداة جديدة لحاله، أسهل شيء يسويه إنه يستسلم للجمود ويرجع لمنطقة راحته القديمة.
- على أرض الواقع: اربط كل موظف يواجه صعوبة بزميل متمرس يكون "شريك تحول" له.
- جلسة أسبوعية من 15 دقيقة يراجعون فيها العقبات ويبسطون الخطوات، كفيلة بكسر رهبة التقنية والاحتفاء بالإنجازات الصغيرة أولاً بأول.
5. ركّز على الهوية قبل الأدوات (Identity-Based Habits)
التغيير الحقيقي ما يبدأ من الأداة، بل من القناعة:
- الخطاب المعتمد على النتيجة: "لازم نرفع 30 تقرير يومياً في هذا البرنامج".
- الخطاب المعتمد على الهوية: "إحنا فريق يقدر وقت عملائه، وما نقبل نضيع ساعاتنا في شغل يدوي مكرر نقدر نؤتمته".
كل معاملة تنجزها على النظام الجديد هي "صوت انتخابي" (Vote) يؤكد هويتك الرقمية الجديدة.
زبدة القول لأسبوعك:
التغيير الحقيقي ما ينباع بكلام الإنشاء، ولا ينفرض بالتعاميم الإدارية الجافة:
- ابدأ بنفسك أولاً: صف بالطابور واستخدم نفس الأدوات اللي تطلبها من فريقك.
- صمم العقد الاجتماعي: خلي السلوك القديم مكلف وغير مجدي، وخلي النظام الجديد هو المسار الأسهل.
- لا تترك أحد لحاله: فعّل نظام الشريك وسفراء التغيير عشان تكون الرحلة جماعية وممتعة.
سؤال التفاعل للنشرة:
لو خُيّرت تبدأ بـ "عادة تشغيلية واحدة" في فريقك هذا الأسبوع عشان تسرعون تحولكم الرقمي، وش بتكون؟